; ; مواضيع تم تصنيفها حسب التاريخ : الأحد, 15 تشرين1/أكتوير 2017
الأحد, 15 تشرين1/أكتوير 2017 13:24

الحرية حالة اجتماعية

د. لاهاي عبد الحسين

يتأسى العراقيون على ما آلت إليه أوضاعهم ويجهدون أنفسهم للتأمل في أسباب تخلفهم وتراجعهم في مختلف الميادين ويتذكرون بحسرة وألم أسماء عظيمة سبق وأنْ برزت فيهم لتمنحهم فرصة للتباهي والكبرياء بفضل ما أنجزته في مختلف ميادين المعرفة والإنتاج العلمي والفني والأدبي والثقافي. وما أنْ يتوفى الموت أحداً من الأسماء الكبيرة والمحترمة حتى ترتفع الأصوات لتنعى جيل العمالقة والقامات التي يعتقد أنّها لن تتكرر وكأنّ الأمة بلغت مرحلة العقم النهائي والتام فلا من خلف لخير سلف. وها نحن نستمر في أنْ نزف في كل يوم عريساً إلى مثواه الأخير لا يبقى منه غير مآثر صارت في عداد ملفات الماضي العتيق. مما لا شك فيه لعبت السياسة ومن تقدم ركبها في بلادنا دوراً سيئاً في الإجهاز على الكثير من الكفاءات التي تساقطت كما تتساقط الشهب في هذا الكون الفسيح بطرق متعددة لم يكن الموت إلا واحداً منها. فقد دأبت رحى النسيان والشيخوخة والمرض أو خيار العزلة المفروضة ذاتياً لتفعل فعلها. وأثبت الزمن والتجربة أنّه يكفي تماماً لنظام سياسي واحد يتسم بأحادية النظرة والتصور أنْ يقتل ويحجم أو في الأقل يُسكت الكثيرين وهذا ما حدث في العراق بلا جدال عبر الأربعين سنة الأخيرة حتى عام 2003. كان من الطبيعي أنْ نتطلع إلى واقع مختلف بعد التغيير معتقدين أننا نقف على أعتاب نهضة لا عودة فيها إلى الوراء، إلا أنّ خيبات الأمل أبت إلا أنْ تعترض طريق آمالنا الوردية والكبيرة. فقد دخلت البلاد في أتون نظام سياسي تحكمه قوى تكاد تخلو ممن يتفق فيها مع بعضه ليس فقط على مستوى الكتل والجماعات، وإنّما حتى على مستوى الأعضاء المنفردين في هيئات مصغرة يفترض أنْ تكون متوافقة ومنسجمة بدرجة عالية. خذْ على سبيل المثال أنّ وسائل الإعلام تنقل أخباراً عن تمرد نواب رئيس الجمهورية على رئيسهم فيما يعبر نائب رئيس مجلس النواب الشيخ همام حمودي عن استغرابه لقيام رئيس المجلس السيد سليم الجبوري بزيارة إقليم كردستان دون إعلام هيئة الرئاسة وهكذا دواليك. من جانب آخر، لعبت معارك تحرير المدن في الأنبار ونينوى وأجزاء من كركوك والتضحيات العظيمة التي قدمت فيها دوراً مهماً في المحافظة على مستويات عالية من التوتر والقلق المجتمعي. وكانت النتيجة أنْ تمّ إرجاء عرس النهضة الذي طال أمد انتظاره. المشكلة أننّا أولينا الحرية السياسية جلّ اهتمامنا فيما يكمن جذر المشكلة في الحرية الاجتماعية التي تمثل الأساس الذي تنمو فيه وبرعايته كل أنواع الحريات الأخرى. يُعنى بالحرية الاجتماعية أنْ نتحرر من نمط التفكير التقليدي سياسياً كان أم دينياً أم مذهبياً أم عشائرياً أم مناطقياً وبمثله أنْ نتحرر من القيم والعادات السائدة الملحقة به من حيث أنّ السائد لم يأت طوعاً وخياراً بل جاء في الغالب عنوة وقسراً. متى ما تحرر المجتمع من مقيدات التفكير والسلوك التي تفرض أنماطاً محددة في التعبير والمظهر فإنّه سينهض لا محالة. هذه أمور ليست عديمة الأهمية كما قد يعتقد والأهم أنّها لا تتحقق من خلال ثورة فردية بل من خلال ثورة اجتماعية تؤمن الدعم والتآزر للمتضامنين السائرين في طريق البحث عن الحقيقة. يذكر أنّه شاعت في فترة زمنية معينة قبل 2003 فكرة التأسيس لصندوق شكاوى المواطنين ولوحات التعبير عن حرية الرأي أطلق عليها إسم "الجدار الحر". وصدرت التعليمات الرسمية للشروع بتطبيق الفكرة من خلال تعليقهما في مكان بارز ومتاح لعموم المشتغلين والمراجعين للمؤسسة سواء كانت دائرة عمل أو مدرسة أو جامعة أو مؤسسة ثقافية من نوع ما. إلا أنّ تلكم المبادرات سرعان ما فشلت بسبب عدم تهيئة المستلزمات المادية المنظمة لتمكينهما من تحقيق الهدف الذي صممتا من أجله على مستوى معالجة شكاوى المواطنين التي تطلب الكثير منها إجراء تغييرات أو تعديلات في صلب النظام البيروقراطي القائم أو نوعية أداء المسؤول المثقل بأكثر من واجب ووظيفة ومهمة. أما لوحات الجدار الحر للتعبير عن الرأي فلم تعمر طويلاً بسبب تمكن البعض من نشر مقالات أو قصائد محرجة للنظام، فكان أنْ أستبدلت بجهود متواطئة جاءت بقصائد بائسة وخطابات تعبوية مباشرة لم تحظ حتى باهتمام راعي المؤسسة فكان أنْ رفعت فيما أقتلع صندوق الشكاوى من قاعدته الأصلية. تشير مبادرات من هذا النوع إلى توفر الرغبة المجردة في التغيير والتطوير إلا إنّ الافتقار إلى الثقافة الاجتماعية واسعة الانتشار في المجتمع حالت دون نجاحها. فالثقافة التي تقوم على قيم التكتم والحياء في غير موضعه والتراجع عن التفكر والمحاججة على اعتبار أنّها تطاول وتعبير عن الصلف لن تؤدي إلى التغيير. ثقافة تحث على الصبر والقناعة والصمت والتغاضي والستر والتحمل، ولكنّها في الوقت نفسه لا تخفي ميولها العدوانية الثأرية والانتقامية من خلال التشجيع على العنف والتغالب والرد على الاعتداء بمثله أو أكثر منه وعدم التسامح والغفران وفق قاعدة "كي لا ننسى". ثقافة مثل هذه لن تنجح في رعاية مبادرات المصالحة والوئام بين مختلف الجماعات المتصارعة أو المتخاصمة، في أقل تقدير. لطالما قتل التكتم والتحفظ وحجب المظالم عن السلطات التي تروم تسييد العدالة افتراضاً الكثير من الطاقات والإمكانات وفي أحسن الأحوال ساهم في الحد من هذه الطاقات والإمكانات وتحجيمها.
يردد البعض فكرة مفادها أنّ "الحرية" تعد أحد أبرز ما تم تحقيقه في العراق بعد 2003 بدليل أنّ الناس يكتبون ويتكلمون وينشرون ولا يواجهون إلا قدراً محدوداً من المشاكسة والتضييق. أو أنّه لم يكن مسموحاً لهم بالكلام والتعبير عن الرأي في الماضي في حين صاروا يفعلون غير ذلك اليوم. وهذه بالحقيقة مقولة سطحية جداً لأنّها تسلط الضوء على أكثر جوانب الحرية كقيمة عليا وهدف إنساني نبيل، هشاشة. فالحرية التي لا تنظم بقنوات ولا تمارس في قاعات الدرس والمحاضرة ولا تجد من يهتم بها إجرائياً لتستخدم لأغراض وضع معالجات حقيقية وملموسة لحالات الصمم والعمى السياسي على المستويين التنفيذي والتشريعي لا تزيد على أنْ تكون تعبيراً عن انفلات وفوضى تترك أثاراً مقلقة على الصحة الاجتماعية والنفسية للأشخاص من المواطنين. ولعلّ الأخطر أنْ تتحول في اللحظة التاريخية الحاسمة إلى هياج جماهيري لا يرحم طرفاً. فقط الثقافة الاجتماعية المحصنة بالرأي واحترام الرأي الآخر والمتعايشة مع النقد البناء وإن كان حاداً تستطيع محاصرة العنف وتقبض على الإرهاب من حيث أنّ أبشع التجاوزات على وحدة ومتانة البيت العراقي تبدأ بفكرة.
لعلَّ أسوأ الأخطاء التاريخية لتي ارتكبناها مجتمعين، كمواطنين، مثقفين وغير مثقفين وعلى مدى عقود متتالية من الزمن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة أننّا تركنا لأنظمة سياسية عسكراتية النزعة والتكوين أنْ تمسك بزمام الأمور من خلال السماح لها بالتقافز على السلطة. وكانت إحدى النتائج السلبية لهذا التسليم لجماعات القفز على السلطة أنْ عومل المجتمع كما لو أنّه فرد قاصر لا يجيد إدارة أموره بنفسه. فكرة استعمارية أجنبية بامتياز تمّ تبنيها بقوة من قبل الأنظمة "الوطنية" التي عملت بأدوات داخلية عشية ظهور حركات التحرر الوطني والقومي من القوى الاستعمارية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. بالمقابل يشير تاريخ التحول الأوروبي نحو الحداثة وما بعد الحداثة إلى أنّ الثورات العظيمة كالثورة الفرنسية وفيما بعد بحوالي التسعين عاماً الثورة الأمريكية أنّهما حدثتا بعد أنْ تغلغلت قيم وأفكار حركة التنوير في ثنايا المجتمعات الأوروبية والأمريكية. لقد أخطأنا بالتأكيد عندما سمحنا لفكرة "التوكل" على قوى ادعت القدرة على تحمل المسؤولية الوطنية في أنْ تغمرنا برحمتها وتركنا مهمة الثورة على الظلم والتفاوت الطبقي وانعدام العدالة الاجتماعية إلى هذا النفر القليل من المولعين بتغيير النظام السياسي من أصحاب البرامج الانقلابية المعدّة بعجالة للاستيلاء على السلطة لينتهوا إلى الانهماك في تحقيق المآرب الذاتية والعائلية والعشائرية والدينية والمذهبية والعرقية بدرجات متفاوتة حسب مستوى القناعة والرغبة الشخصية للقائد الهمام، أياً كان إسمه أو عنوانه.
وعليه، يواجه المثقفون العراقيون بكل توجهاتهم من أكاديميين وباحثين ومختصين وصحافيين وفنانين وأدباء بل وحتى القرّاء الجادين، مهمة المساهمة برفع مستويات الوعي وتعميق الشعور بالمسؤولية الجماعية بهدف التأسيس لمجتمع يلد المتفوقين والمتميزين ويرعاهم لا أنْ يكتفي بتشييع الأبرز والأعز منهم ويتقيأ الفاسدين والمتماهين مع الظواهر المرضية كالغش والتزوير والرشى وكل أشكال الامتهان للطموحات والآمال المشروعة لعموم المواطنين بالتقدم والازدهار على مستوى الحياة اليومية من أمان وعمل وصحة وتعليم وما إليها. وهذه بحد ذاتها مهمة ليست باليسيرة ولكنّها يمكن أنْ تبدأ من نقطة ما.

نشر في اراء
الأحد, 15 تشرين1/أكتوير 2017 11:36

المتنبي.. ثقافة وألم وأمل

فواز مصطفى

كجزءٍ لا يتجزأ من حياة العراق كان للشارع نصيبه من المآسي كان آخرها محاولة قتله من قبل قوى الظلام التي طالما حاربت وجوده واعتبرته مضاداً لوجودها واستمراريتها.
نبدأ من البداية وكما أسلفنا في مقالنا السابق انه كانت هناك حرب خفية بين سلطة المال والثقافة حيث كانت محلات تجارة القرطاسية في محاولات حثيثة تحاول أن تجد لها مرتكزاً في الشارع والسوق المسقف ومالت الكفة لصالحهم عندما أصدر النظام السابق في بداية الثمانينات قراره المشؤوم بمنع استيراد الكتب المستعملة نهائياً واستصدار موافقة وزارة الإعلام لاستيراد الكتب الجديدة. وكانت هذه الموافقة تتطلب موافقة أمنية من مديرية الأمن العامة، ثم أصدرت وزارة اللا ثقافة قائمة بالكتب المسموح تداولها في المكتبات لتتوحد عناوين الكتب في جميع المكتبات من البصرة إلى زاخو.
وتغلبت القرطاسية على الثقافة وكان لهذا القرار الأثر المدمر على الثقافة العراقية وصار اقتناء أي كتاب خارج القائمة معاناة كبيرة وهنا بدأت الجمعة تصبح مهمة في المتنبي لأنها كانت السبيل الوحيد للتبادلات السرية بين المثقفين للكتب الممنوعة.
المأساة الثانية كانت حريق مكتبة المثنى إحدى أكبر المكتبات في العراق وكانت تمتلك الحق الحصري لاستيراد الكتب والمجلات والجرائد العربية حيث استيقظ الشارع صبيحة الجمعة الـ20 من آب على رائحة الدخان ومع بداية ذلك الصباح كانت النيران تندلع من الطابق العلوي للمكتبة ولم تنفع جهود الخيرين ووصلت الإطفاء لتخمد النار التي أتت على المكتبة بالكامل ولم يسلم كتاب واحد من تلك الكارثة.
لم تكن المكتبة مملوكة لآل الرجب فقط، فقد كانت محفورة في وجدان كل المثقفين وكانت الخسارة جسيمة جداً حيث احترقت الكثير من جواهر المخطوطات والكتب النادرة في ذلك اليوم المشؤوم. وهو حدث لا يمكن نسيانه بالنسبة لـ آل الرجب ولكل من وضع قدماً في هذا الصرح الثقافي الحضاري العريق.
آخر المآسي كانت محاولة اغتيال الشارع برمته حيث انفجرت سيارة ملغومة مستهدفةً أقدم مباني الشارع ومرتكزه الثقافي متمثلة بمقهى الشابندر الذي دمر بالكامل والمكتبة العصرية التي تأسست عام 1908 واحترقت بالكامل في تلك المأساة وذهب ضحية التفجير الجبان 31 شهيداً بينهم خمسة من أبناء الحاج محمد الخشالي صاحب مقهى الشابندر العريق واستحق الحاج محمد تسمية (أبو الشهداء).
لم تنجح محاولتهم بـإطفاء نور شعلة الثقافة المنبعثة من الشارع ومن المقهى ومن المكتبات بل وحتى من عيني الحاج محمد الشابندر العراقي الأصيل الذي نفض عنه تراب الحزن العميق وشمر ساعده وأبناءه المتبقين في إعادة الصرح العظيم وبمساعدة من الخيّرين من الهيئة العراقية الأهلية المُهتمة بمجال الثقافة وبعض اللجان الحكومية أُعيد بناء المقهى وإصلاح الأضرار الجسيمة التي لحقت بالشارع، وحسب مقولة (ما لا يقتلك... يقويك) فقد رجع الشارع بكامل عافيته وأقوى وأصبحت الملتقيات الثقافية والفنية متعة للمثقفين ومن الأمور التي بـإمكان العراقي أن يزهو ويتفاخر بها.. تحية للشهداء أصدقائي وأحبابي وأخواني وتحية لكل من بنى حجراً في إعمار الشارع.. وانتظروا الحلقة الأخيرة في المقال القادم.

نشر في اراء
الأحد, 15 تشرين1/أكتوير 2017 11:31

وصايا ثقافية

علي حسن الفواز

ثمة مَنْ يحتاج الى درس ثقافي في الوصايا الفاعلة، والى إعادة تأهيل منظومته في الوعي والخطاب، وفي كلِّ مجالات الاستعمال الثقافي..
هذه الوصايا ليست دعوة لأبوية افتراضية لترسيم السيطرة والرقابة، بل هي رؤية لاصطناع الخطاب المتجاوز، والباعثة على ضرورة التذكير والاستعادة، ولإعادة (البعض) الثقافي إلى ممارسة الثقافة بوصفها موقفاً من العالم، إذ إن هناك كثيرا من شطط التوهان، وكثيراً من التوهيم والتضليل، وربما كثيراً من (العفرتة).
أول هذه الوصايا: لا تبالغ بولائك الثقافي للسلطة وأصحاب الأيقونات والأكياس، لا تشتم أحداً بإفراط، ولا تمدح أحداً بإفراط...
إمدح فقط لحظة وعيك الذي يدلّك على منطقة الولاء العميقة، وعلى منطقة الممدوح، وبما ينأى بك عن المقدوح والمشتوم..
وصية الكتابة قد تكون ضرورة لتوثيق الوعي، فالكتابة لم تعد ظلاً، ولم تعد ذاكرة خالصة، ولا حتى وظيفة في الديوان الأميري أو الجمهوري أو الآيديولوجي، انها كائن آخر، فائق ومتعال، ويمشي بالتوازي أو بالتقاطع أو بالتضاد..
الكتابة في هذا السياق هي الوصية الكبرى؛ لأنها الترياق، ولأنها القرطاس والقلم، ولأنها الشهادة، والمعنى والحافظة، لذلك تأخذ هذه الوصية عمقها الأخلاقي والتاريخي من طبيعة ما يمارسه الحفارون الذين لا يبحثون في الأرض/ النص الاّ عمّا بقي من الوثائق والعلامات التي نجلو عبر حروفها حوافر العابرين والمدونين، وتاريخ الخطى والمدن والأبطال والشعراء والعشاق والجميلات والمجانين.. لذا لا تاريخ، ولا مجد لمن لا يملك شرط الكتابة، وكلّ الشفاهيات الخارجة عن سياق الوعي ستكون في خزائن الريح، وعند الأوهام التي لا يركض خلفها الا الواهمون..
وبرغم سعينا الدؤوب لأن نجعل من الكتابة (أثراً) فيه الحضور والمحو كما يقول دريدا.. وفيها أيضاً الوجود والغياب.. الاّ ان تاريخ ثقافتنا الشفاهي جداً ما زال يحتفظ بالكثير من الصناديق، الصناديق الحافظة للتعازيم، ولعصا الشيخ والفقيه والشرطي، تلك التي تفرض علينا سطوة ما تركه الحكواتيون الشفاهيون، أولئك الذين دأبوا على تأكيد صورة (بنوتنا) وصباوتنا التي لا تكبر، حيث نكون مريدين فقط، ومنشدين في الجوق، ولا حق لنا بالسرير الأبوي ولا بالجسد والخزائن والارث..
وصية الحرية تمثل جوهراً لشرعنة تصريف الوعي واستعماله، فهي شفرة الرؤية، وقوة الارادة، مثلما أنها جوهر المسؤولية وفاعلية الكشف لما يزدحم حولنا من أصنام..
هذه الأصنام الثقافية هي ذاتها لعبة الصناديق القديمة، فهي تعمل على تجيير الذائقة والمزاج الثقافيين الى وسط اغوائي، والى استيهامات يختلط فيها اللذوي مع السحري، وبما يجعلها أكثر خوضوعا لشهوة الاستمناء القهري لتلك الصناديق/ الأصنام، ولربما الاتباع الإيهامي لما تسوّغه من سلطنة عصابية وقرابية للصنم/ الرمز/ العرّاب/ الشاعر الكبير/ الروائي الكبير/ المفكر الكبير، والذي لا يكبر طبعاً ولا يشيخ... فقط نحن الأولاد الوحيدون الذين سيكونون عرضة للإصابة بعدوى الشيخوخة والسنوات الراكضة بعنف...
الخطر الأكثر رعباً في هذا المعطى، يتمثل في أن بعض (الأولاد) الناطين إلى إغواء الثقافة ما زالوا يصدقون حكاية أسحار الصناديق والأصنام، ويعيدون إنتاجها بشكل بائس... حدّ انهم لا يصدقون أن ثمة نهرا هيرقلطيسيا آخر، وثمة قطارات تمشي، ومقابر تتسع من دون حدود ومن دون خرائط...
الوصية الاخيرة هي العمل على ضرورة مواجهة صناعة الأوهام، وصناعة أشباح الصناديق، لأنها ستظل – كما يبدو- هي الصناعة المرعبة والمهددة، والأخطر منها أنّ نتورط بلعبة تزييف الوعي، تلك التي تترككنا عند المزيد من الأومام والمزيد من الجهات والطرق التي لاتؤدي الى أحدٍ، وربما ستدفعنا اضطراراً للعودة الى لزوجة التاريخ/ المتحف حيث رائحة العطب الصناديقي...

نشر في اراء

كاريكاتير

«
»

« أكتوبر 2017 »
اثنين ثلاثاء الأربعاء خميس جمعة سبت الأحد
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31          

إتصل بنــا

  • العنوان:    العراق -بغداد، حي السعدون، محلة 101، زقاق 20، دار12
  • موبايل: 009647704300067
  • البريد الالكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • www.nuijiraq.org

نبذة

هذا الموقع هو الموقع الرسمي الخاص بالنقابة الوطنيــــــة لـلـصـحفيين العراقيين. الموقع يعني بنشر جميع نشاطات النقابة أضافة الى أهم الأخبار العالمية والعربية والعراقية وفي مختلف المجالات.

الأكثر قراءة