; ; في رحاب كلية الاداب

في رحاب كلية الاداب

طالب سعدون

أسعدني الشاعر الكبير جواد غلوم بزيارة بصحبة الاستاذ مهند كريم الجبوري ، وهما صديقان ، وزميلان في الدراسة بكلية الاداب في جامعة بغداد ، التي دخلنا رحابها في العام الدراسي 1969– 1970 من القرن العشرين، طلابا في قسم اللغة العربية ، الذي كان يضم يومذاك نخبة من الطلاب الذين كان يشار لهم بالبنان في التميز ، والنشاط الثقافي والسياسي ، وحازوا فيما بعد على أسمى مراتب الابداع في عالم الشعر والادب والثقافة ، والسياسة والعمل العام والوظيفي ، وكان جواد من بينهم طالبا وشاعرا و سياسيا مبدعا وانسانا ودودا وديعا ..

أمد الله في أعمار الاحياء لننعم بابداعاتهم وكرم أخلاقهم ... ورحم الله من رحل الى جوار ربه ، ومنهم زميلنا في الكلية الشاعر الصديق صاحب الشاهر الذي رحل مبكرا ، وهو في بداية رحلة تميزه الابداعي في الشعر ... أمده الله برحمته الواسعة ، وأسكنه فسيح جناته ...

وخلال هذه الزيارة أهداني الشاعر جواد مجموعته الشعرية الجديدة التي صدرت حديثا عن (دار أمل الجديدة) للنشر والطباعة والتوزيع في دمشق ، وهي بعنوان (كلما أفسدوا قلما ، طويت ورقي) التي تعد الرابعة في مسيرته الابداعية الطويلة التي ننتظر منها المزيد...

وتضم المجموعة 38 قصيدة توزعت على فنون الشعر المختلفة ، التي كتبها ببراعة متميزة ، وتمكن عال من أدوات الشعر ، وروعة الخيال الذي يمده بصور جميلة ، وإجادة استخدام التراث والتاريخ ورموزه في موضعه المناسب ودلالته الرمزية بمهارة عالية ..

و لا يمكن أن تغيب هموم الوطن ومعاناته القاسية ، وحاله التي لا تسر عن شاعر يحمله في قلبه ، وحنايا ضميره ، أو يتنكر له في أزمته ، مثل جواد غلوم ، فكانت محورا لعدد من القصائد فيه ...

........

كان هنا في حينا زمان

الوطن الحنون سيد الاكوان

يحنو على الصغار

يبجل الكبار

كان لنا بستان

نزرعه خيرا وإقحوان

عشنا به في سالف الازمان

عشنا معا كما الملوك

ترفع التيجان

سيفا وصولجان

نرضع منه أيّما حنان

ويختتم هذا الوجد والحنين بالدعوة الى خروجه من حالة (المحزون المطعون) التي آل اليها الى ما يناسبه من ألق بهي ..

(مد يديك صاحبي

مد يديك ننتشل زماننا الغريق ...)...

ونقلنا الكاتب جواد في كتاب أخر سبق هذه المجموعة في الصدور (مذكرات مثقف عراقي ...) الى محطات مهمة كثيره، الى الماضي بكل ما يحمله من معالم حضارية ثقافية وفنية وذكريات ، ومنها أجواء كلية الاداب في جامعة بغداد الدراسية والثقافية في الستينات والسبعينات ، المفعمة بالنشاط الابداعي الثقافي يوم كانت قاعة الحصري فيها تعد مركزا ثقافيا كبيرا متميزا ، ليس على مستوى البلاد فقط ، وانما على مستوى الوطن العربي في مهرجاناتها الشعرية والثقافية وندواتها الثرية ومناقشة اطروحات طلبة الماجستير والدكتوراه ، وكانت تمثل يومذاك (مربد الشعر) في العراق، و كانت محط كبار الشعراء العرب والعراقيين وملتقى النقاد والكتاب العرب المتميزين ، وكانت تمتليء على الدوام بمتذوقي الشعر ، وتحظى برعاية كبار المسؤولين ، وهي في نشاط مستمر على مدار العام ....

ومن بين من حضر مهرجاناتها الشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري والناقد المصري الكبير الدكتور محمد النويهي استاذ النقد الادبي في جامعة القاهرة ، والشاعر الدمشقي نزار قباني الذي فاجأ الحاضرين في أحد المهرجانات ، بعد أن كانوا يتوقعون أن يلقي شعرا في الغزل الجميل الذي عرف به ، لكنه قرأ بعضا من قصائد ديوانه (هوامش على دفتر النكسة) مذكرا الحاضرين بأيام 5 حزيران الكالحة ، وهو يعري حكامنا بالمأساة ، وكأنه يحمل سوط الشعر ليجلد به ظهورنا ، ويظهر عيوبنا ، وانتكاساتنا ، ولم يجرؤ أحد من الحاضرين ، الذين إمتلأت القاعة بهم ، جلوسا ووقوفا أن يطلب شيئا من غزلياته التي كانوا ينتظرونها بشوق ...

ويورد الشاعر غلوم في مذكراته عددا من الطلاب الشعراء ممن كانوا يشاركون في مهرجانات الحصري ، ومن بينهم الشاعر المبدع حسن المرواني وقصيدته الغزلية التي اشتهرت كثيرا ، و غناها فيما بعد الفنان كاظم الساهر (أنا وليلى) و حصلت على الجائزة الاولى في أحد مهرجانات الحصري ، وهدية (بدلة انيقة) مع مجموعة من اقلام نوع (باركر) الثمينة ...

ومن الملح والطرف الشعرية التي ظلت عالقة في ذهتي لطرافتها وربما يتذكرها الشاعر جواد أنه في أحد مهرجانات الحصري أن ألقى الطالب الشاعر عباس حنون الدراجي، وهو بصير قصيدة تناول فيها باسلوب الفكاهة والمرح اللطيف قرارا كان قد صدر في وقت القاء القصيدة عام 1970 باطلاق تسميات على المحافظات ، لكنه بروح الدعابة ينحاز لمحافظته – العمارة وحدها، التي ينحدر في مسقط راسه منها، ولم ير غيرها تستحق هذه التسمية الجديدة (ميسان) ، وأخذ يتغنى بها،ويفخر بها ، وباسمها الجديد، وقوبلت ايضا بروح المرح نفسها ، وخلقت جوا لطيفا نقل القاعة من الجد والسياسة الى حالة اخرى من السعادة والغزل بمدينته العزيزة بصور شعرية جميلة ..

ويقول في مطلعها ..

أنا أبن ميسان أضمنتي خمائلها ....

ثم يعرج على مسقط رأسه ( ناحية كميت) في المحافظة نفسها ويتغزل بها في قصيدة اخرى .. وكان مطلعها ...

ألبس (كميتا) ثياب العرس حنيها

قد جئت أخطبها من بين أهليها ..

وبالتأكيد يتذكره الشاعر حسن المرواني أيضا ، لانه كان زميله في كلية التربية ، وفي القسم نفسه ، وربما كان جاره أيضا في محلة السكن في بغداد كما أتذكر ...

الذكريات تطول وتتشعب ، ولا يسعها عمود ، وهي بالتأكيد جميلة ، وأثيرة على القلب ، ولها وقع مؤثر في النفس ... وهناك معالم كثيرة ستبقى خالدة في الذاكرة ، تستعصي على النسيان ، وثقتها ذاكرة شاعر عاشها، وخطتها أنامل كاتب مبدع كانت له مساهمته ، وبصمته الواضحة ، في الثقافة والشعر والكتابة ...

فاين مؤسساتنا التربوية والجامعية اليوم من هذه النشاطات الابداعية ؟؟!!

{ { { {

كلام مفيد :

من جميل ما علق في الذاكرة (كن شخصا جيدا ، لكن لا تضيع وقتك في إثبات ذلك) ..

قراءة 259 مرات

كاريكاتير

«
»

« سبتمبر 2018 »
اثنين ثلاثاء الأربعاء خميس جمعة سبت الأحد
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30

إتصل بنــا

  • العنوان:    العراق -بغداد، حي السعدون، محلة 101، زقاق 20، دار12
  • موبايل: 009647704300067
  • البريد الالكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • www.nuijiraq.org

نبذة

هذا الموقع هو الموقع الرسمي الخاص بالنقابة الوطنيــــــة لـلـصـحفيين العراقيين. الموقع يعني بنشر جميع نشاطات النقابة أضافة الى أهم الأخبار العالمية والعربية والعراقية وفي مختلف المجالات.

الأكثر قراءة