; ; التوكل والاتكالية

التوكل والاتكالية

محمد غازي الاخرس
ومن الأمثال الباعثة على التوكل قولهم: رزق واحد على واحد والكلّ على الله، وهذا المثل يحيل لواحدة من الأفكار الدينية المركزية التي تفيد أنّ الخالق مسبب الأسباب وعلّة العلل وما من سبب يستطيع أن يقوم بنفسه من دون أن يعتمد عليه. قد تكون أنت معتمدا على فأس لكسب رزقك لكنك أنت والفأس لا تساويان فلسا من دون الله، لله الذي بإمكانه أن يستغني عن الفأس ويرزقك بشكل آخر لا يخطر في ذهنك. هذه الفكرة تُعد أساس نظرية التوكل عند العارفين، ولهذا هم لا يعترفون بالمسببات التي هي دون سببية الله، بل إن المتطرفين منهم يعتقدون أن مجرد الاعتقاد بأيّ سبب غير إلهي شرك يتوجب الاستغفار منه، ولديهم بهذا الخصوص قصص أغرب من الخيال تحكي عن تجليات القدرة الآلهية دون حاجة للوسائط، المبدأ هو الذي تعرفون: من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب.
رائعة هذه الأفكار ومريحة، سهلة ولا تتطلب سوى الإيمان بها، لكنها خطيرة أيضا إذا ما انحرفت باتجاه حياتنا الاجتماعية التي يفترض أن تقوم على قيمة العمل وبذل الجهد لإيجاد الحلول. كثير من الباحثين قالوا وكلوا من القول إن مفهوم الاتكالية مدمر في ثقافتنا الاجتماعية ويقود بالضرورة إلى استشراء الكسل وشيوع شعار: كاعد بالشمس لمن يجيني الفي. نعم، الأمر خطير، فالتوكل يتحول إلى اتكالية، ومعها يعتمد كليا على القوى الغيبية لحل مشكلاتنا الأرضية؛ بدل أن تذهب إلى الطبيب تجلس بين يدي المعالج الروحاني، وبدل أن تطور مهاراتك الشخصية تعمد إلى حمل تعويذة أو خرزة لكسب رضا مديرك. حتى النساء يكلن أمورهم وعلاقاتهن للتعاويذ والرقى للحفاظ على أزواجهن من مخاطر النساء الأخريات ! الطلبة أيضا يتوكلون على الطالع ويضعون في جيوبهم تعاويذ تشحذ الذهن!
اجتماعيا، ومن نفس المنطلق الاتكالي، يقولون: لا تفكر، لها مدبر، ثم يكررون كلما صادفتهم متاهة تتطلب جهدا فكريا للوصول إلى حل: ذبها براس عالم واطلع منها سالم. أتعرفون مثلا أن أجدادنا القدامى كانوا حتى في العبادة يتكلون على أشخاص معينين ليقوموا بالعبادة نيابة عنهم! أحسب أن الأمر كذلك بدليل إنهم كانوا يقدمون لرجال الدين "الموامنه" في القرى هدايا بوصفهم "ساترين عليهم" ولولاهم لمحق الله قراهم بغضبه. الحال أن "الموامنه" كانوا يرسخون هذه الفكرة ولربما أقنعوا البسطاء أنهم يعبدون الباري نيابة عنهم، ويدعون لهم في صلوات الليل بأسمائهم. تصادف ملا فلان فيبتسم ويقول لك: البارحة شفتك بالطيف مو خوش شوفه..بس من فزيت صليت لك ركعتين. هكذا كانوا يفعلون مستغلين ثقافة الاتكال الخطيرة، ومن التوكل إلى الاتكالية خيط رفيع يجر ثقافتنا الاجتماعية جنبك الله هذا المرض وزادك توكلا على الله.

قراءة 194 مرات

كاريكاتير

«
»

« سبتمبر 2018 »
اثنين ثلاثاء الأربعاء خميس جمعة سبت الأحد
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30

إتصل بنــا

  • العنوان:    العراق -بغداد، حي السعدون، محلة 101، زقاق 20، دار12
  • موبايل: 009647704300067
  • البريد الالكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • www.nuijiraq.org

نبذة

هذا الموقع هو الموقع الرسمي الخاص بالنقابة الوطنيــــــة لـلـصـحفيين العراقيين. الموقع يعني بنشر جميع نشاطات النقابة أضافة الى أهم الأخبار العالمية والعربية والعراقية وفي مختلف المجالات.

الأكثر قراءة