; ; لغة جسد المتلقي

لغة جسد المتلقي

محمد غازي الاخرس

اليوم أود أن أحدثكم عما يمكنني تسميته "لغة جسد المتلقي"، مفهوم غريب فكرت به أمس وأنا أعيد قراءة رواية "آنا كارنينا" لتولستوي. ما إن شرعت بها وفي صفحة ما عدّلت جلستي وكأنني أخطو لرحلة مشتهاة. تحدث ردة الفعل هذه معي دائما أثناء القراءة. في مفاصل معينة، وتحديدا حين يكون ثمة تأثير في مقطع معين أو زيادة في التفاعل أو الترقب، أراني أتحرك مغيرا وضعي، أمسك الكتاب بشكل مختلف، لنقل إنني أحاول إمساكه بشكل أكثر ثباتا أو أحرّكه لوضع يسمح لي بأنّ أراه بشكل أفضل. قد يحدث العكس تماما مرات إذا كان التفاعل ينحدر، لعل أصابعي تتراخى عن الكتاب أو تبعده دون وعي.
أحيانا أقلّب صفحة بملل وقد أغيّر جلستي لتكون جلسة غير مريحة وكأنني أتعمد ذلك في اللاوعي كي أنهي الموضوع وأغلق الكتاب. هذا ما أسميه بلغة جسد المتلقي. يعبّر الجسد بالأحرى بطريقته عن نوع تفاعله مع الشيء الذي يتم تلقيه سواء كان كتابا أو فيلما أو مسلسلا أو أغنية. في الأغنية مثلا غالبا ما أبدل جلستي أيضا ولكن بحركة أكثر سرعة وأكثر حدة، لكأنني أخشى من المقطع المؤثر أن يمضي فأحاول اللحاق به. الأغنية تأسر سامعها، تذهله عن عالمه، تجعله يعيدها مرات ومرات في محاولة للإمساك بروحها والتوحّد معها. وفي خضّم هذا، يقول الجسد ما يعجز عن قوله اللسان. مع بعض الأغاني تتلملم أعضائي وأشعر أنها تحاول اعتناق بعضها بعضا. هل تخاف مثلا من التبعثر؟ لا أدري، لكنني حين أسمع "اشتاقلك يا نهر" أو "مغربين" ينتابني هذا التغير في وقت يحدث العكس مع أغان أخرى، أغاني تلملم وأخرى
تبعثر.
مع الأفلام والمسلسلات، تأتي العبرات وتذهب. في المواقف المؤثرة تصل الشهقة إلى باب الحنجرة فأعيدها وأنا أقول ـ ما تسوه، كله تمثيل! لكنما الأمر ليس في كون ما يرى حقيقيا بل في كونه ممتعا وبديعا، وكل ممتع بديع يؤثر في الجسد.
وإذ أعود إلى القراءة كونها الفعل الأكثر التصاقا بي فإن فعل قراءة الكتب الفكرية يختلف في أثره عن قراءة القصص أو الشعر. وقراءة التراث الشعبي يختلف عن قراءة النقد. لكلّ نوع من هذه القراءات شكل من التلقي يؤدي لآثار في الجسد تختلف عن بعضها بعضا. مع بعض الشعر ينتابني خوف ينعكس في حركاتي وسكناتي، ومع الفكر تنتابني دهشة تحول حركات جسدي إلى حركات طفل مستغرب وغير مستوعب لما يقرأ. في بعض المرات أتوقّف عن القراءة وأضع الكتاب على صدري لأتأمّل ما قرأت وقد ابتسم بعدها وأقول ـ مصيبة أنت!
هناك الكثير من الملاحظات في هذا المجال الذي فكرت به أمس فتأمّل!

قراءة 250 مرات

كاريكاتير

«
»

« سبتمبر 2018 »
اثنين ثلاثاء الأربعاء خميس جمعة سبت الأحد
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30

إتصل بنــا

  • العنوان:    العراق -بغداد، حي السعدون، محلة 101، زقاق 20، دار12
  • موبايل: 009647704300067
  • البريد الالكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • www.nuijiraq.org

نبذة

هذا الموقع هو الموقع الرسمي الخاص بالنقابة الوطنيــــــة لـلـصـحفيين العراقيين. الموقع يعني بنشر جميع نشاطات النقابة أضافة الى أهم الأخبار العالمية والعربية والعراقية وفي مختلف المجالات.

الأكثر قراءة