; ; السياب وأنوار وسليمة

السياب وأنوار وسليمة

محمد غازي الاخرس

اليوم شعرت أن السياب يجلس معي في السيارة وأنا أسوق. خيل لي يمسح دموعه بمنديل من لوعة. استشعرته كذلك، قريب جدا حتى أنني حسبته يناشغ كطفل تائه، وكان هناك خليج يترامى على نافذة السيارة، خليج تسبح فيه عربات ويمضي أناس في طريق طويل. بعضهم غريب كالسياب وبعضهم مأخوذ بالغناء والشعر مثلي. ولكن لماذا شعرت بأبي غيلان قريبا و"غريبا" لهذه الدرجة؟ ما المناسبة التي ذكرتني
به؟
إنها هي، ملكة الشجن، أنوار عبد الوهاب تغني: ذوب وتفطر..يا كليبي حيل وياك..ون وتحسر عل كوطر وخلاك..اه يا سليمه يا حبيبه..نامت عيون الناس..كلبي شينيمه؟ أغنية يستحيل أن يسمعها مدمن على شعر السياب مثلي دون أن يستحضر الشاعر الأعظم وهو يترنم: عمياء أنت وحظك المنكود أعمى يا سليمه.. وتلوب أغنية قديمه..في نفسها وصدى يوشوش: يا سليمه، سليمه..نامت عيون الناس.آه..فمن لقلبي كي
ينيمه؟
لا أدري، لكن جزءا من مزاج "المومس العمياء" ارتبط عندي بهذه الأغنية، الأغنية التي صدحت بها سليمة باشا مراد بلحن صالح الكويتي وكلمات عبد الكريم العلاف، ثم أصبحت من مأثور الغناء العراقي بحيث غناها العشرات وأبرزهم أنوار وسعدي البياتي. مؤكد أن السياب كان عشق "ذوب وتفطر" بصوت سليمة، المطربة، ولربما كان يترنم بها، وإذ أراد الغوص إلى روح سليمة، المومس، لم يجد غير هذه التحفة لتضيء كل شيء في لحظة واحدة. الأحرى أن الحفر كان سيّابيا بامتياز، هكذا عهدنا شاعرنا البصري. أقول ذلك لأنه ما كان ليكتفي باللغة أبدا، إنما هو دائب البحث عن شيء ما يلتمع تحت التراب أو يومض في الجوار. كان فأسه لا يكل ولا يمل من الحفر، يمينا وشمالا وشرقا وغربا، حتى إذا وصل بغيته التمع الذهب تحت الحجر ووصل إلى طبقات أعمق مما يذهب إليه الشعراء
عادة.
هو شاعر عجيب غريب، لكأن في قصائده ملحا عراقيا لا يوجد إلا في شواطئنا. هو مثلا، في مرة أخرى، كثف بلده كله، بجحيمه وجنته، بناسه الطيبين والأشرار، اختصر بلاده بـ"دورة اسطوانة".
تجد هذا في "غريب على الخليج" فتعجب: بالأمس حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراق..وكنت دورة أسطوانة. مشهد لا أبسط منه ولكن لا أعمق منه أيضا.
تخيلوا شخصا منفيا يطارده شبح وطنه البعيد فيهرب إلى المقهى ليسمعه هناك يصدح في أغنية. والأغرب أنه ترك الأغنية لخيالنا لأن المهم هنا ليس الأغنية بل كونها تلخيصا للمكان الذي
أنتجها.
نعم، السياب عميق وعميق جدا ولهذا ارتبط عندي بأغنية "ذوب وتفطر" كونها لخصت لحظة من لحظات سليمة العمياء: آ يا سليمه يا حبيبه..نامت عيون الناس كلبي
شينيمه!

قراءة 415 مرات

كاريكاتير

«
»

« سبتمبر 2018 »
اثنين ثلاثاء الأربعاء خميس جمعة سبت الأحد
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30

إتصل بنــا

  • العنوان:    العراق -بغداد، حي السعدون، محلة 101، زقاق 20، دار12
  • موبايل: 009647704300067
  • البريد الالكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • www.nuijiraq.org

نبذة

هذا الموقع هو الموقع الرسمي الخاص بالنقابة الوطنيــــــة لـلـصـحفيين العراقيين. الموقع يعني بنشر جميع نشاطات النقابة أضافة الى أهم الأخبار العالمية والعربية والعراقية وفي مختلف المجالات.

الأكثر قراءة