; ; تكييف الفقر

تكييف الفقر

محمد غازي الاخرس

الفقر يؤدي غالبا إلى خلق فرد مخادع وازدواجي ولديه نزعة لإظهار خلاف ما يبطن. وثمة من الباحثين من حدثنا عن أن الأسرة المعدمة قد تزرع في أطفالها اليأس والاستسلام من الحياة
تحدثت يوما، ولكن بشكل عابر، عن تأثير الطبقة ومستواها الاقتصادي في تكون القيم الاجتماعية والثقافية وتتبدلها، وها أنا الْيَوْمَ استعيد ذلك المنطلق لأقول إن ثمة ما يسميه السوسيولوجيون بالتكيف، والمقصود به تكيّف الثقافة وقيمها مع المستوى الطبقي لأفراد الجماعة الذين يحملونها، والمثال الأشهر على ذلك ظاهرة وأد البنات التي عرفها العرب قديما. كلنا يعرف أن العرب كانوا يقتلون بناتهم عند ولادتهن، وكانت تقف وراء هذا القتل عدة أسباب من بينها ما ذكره القرآن الكريم عن خشيتهم من الفقر. كانوا كذلك، يخافون الفقر بسبب الابتلاء بالإناث، لأن الأنثى تظل عالة على أبيها حتى زواجها في حين يمكن للولد أن يشارك في الغزو بمجرد بلوغه، وهذه النظرة لا تزال سائدة رغم انقراض ثقافة الوأد، فنحن نرثي لمن "يبتلى" بالإناث ونسميه إشفاقا "صاحب نثايه"، وفي وسطنا لا يزال "صاحب النثايه" مستضعفا محتقرا لا يقام له وزن
أبدا.
الحال أن العرب، تحت وطأة هذا السياق الاقتصادي، كانوا قد كيفوا ثقافتهم الاجتماعية لتكون مناسبة لما اضطروا لفعله من ممارسات، ومع هذا التكييف أصبح الوأد، ومن ثم تحقير الأنثى، من بديهيات القيم الثقافية غير المستهجنة، وهذا ربما أسهم، إلى حد بعيد، في تواصل تكييف الثقافة لتكون ذكورية
خالصة.
عدا هذا المثال الجوهري، ثمة من تحدث عن منظومة كاملة من القيم ربما تكونت بطريقة متكيفة مع الوضع الاقتصادي للمجتمع الفقير، والمقصود هنا قيم كثيرة جدا تبدأ من المداهنة والمواربة والتملق لتمر بالتشكك بالحاضر والمستقبل ثم لا تنتهي حتى تصل إلى فقدان الشخصية ثقتها بنفسها وغلبة طابع التحقير الذاتي عليها.
لا بل إن الفقر يؤدي غالبا إلى خلق فرد مخادع وازدواجي ولديه نزعة لإظهار خلاف ما يبطن. وثمة من الباحثين من حدثنا عن أن الأسرة المعدمة قد تزرع في أطفالها اليأس والاستسلام من الحياة، ولربما "شرّبت" لهم قيم القسوة مع الفطور والغداء والعشاء، والغريب أن القسوة هذه هي قسوة الضحية وليس الجلاد، قسوة ترقد في نفس خائفة بانتظار أن تسنح لها الفرصة كي تظهر ويا ويلنا منها حين
تظهر.
ناهيك عن ذلك ربما كيف المجتمع الفقير ثقافته لإعلاء قيمة انتهاز الفرص وخطفها ولذا غالبا ما تمجد ثقافة الفقراء الشخصية الفهلوية أو"الكلاوجي" الذي "يوديك للشط ويرجعك عطشان". كل تلك أنساق يمكن أن تختفي ببساطة شديدة بمجرد القضاء على السياق الذي نشأت فيه وهو الفقر والعازة. موضوع يستحق وقفات ووقفات
فتأمل.

قراءة 87 مرات

كاريكاتير

«
»

« كانون الأول 2017 »
اثنين ثلاثاء الأربعاء خميس جمعة سبت الأحد
        1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31

إتصل بنــا

  • العنوان:    العراق -بغداد، حي السعدون، محلة 101، زقاق 20، دار12
  • موبايل: 009647704300067
  • البريد الالكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • www.nuijiraq.org

نبذة

هذا الموقع هو الموقع الرسمي الخاص بالنقابة الوطنيــــــة لـلـصـحفيين العراقيين. الموقع يعني بنشر جميع نشاطات النقابة أضافة الى أهم الأخبار العالمية والعربية والعراقية وفي مختلف المجالات.

الأكثر قراءة