; ; مواضيع تم تصنيفها حسب التاريخ : الأربعاء, 09 آب/أغسطس 2017
الأربعاء, 09 آب/أغسطس 2017 10:47

النزاهة تكشف عن السرّ

عدنان حسين

115 من أعضاء مجلس النواب العراقي (المؤلف من 328 عضواً) اختاروا أول من أمس أن يفرضوا على 37 مليون عراقي قانوناً سيئاً آخر يضمن لأحزابهم وقواهم الممسكة بمقاليد السلطة، مصدر النفوذ والثروة والفساد، المحافظة على سلطتها ونفوذها وفسادها.
من محاسن الصدف أنه بينما كان هؤلاء النواب يمرّرون قانون مجالس المحافظات تحت قبة البرلمان، كانت هيئة النزاهة تنظّم في مقرها الواقع على مرمى حجر من مبنى البرلمان في المنطقة الخضراء، مؤتمراً صحافياً للإعلان عن تقريرها نصف السنوي. كما في كل مرة حفل التقرير بوقائع تشيب لها رؤوس الاطفال عن الفساد في هذه الدولة التي تديرها أحزاب الـ 115 نائباً، لكنّها – وقائع هيئة النزاهة - لم تعد صادمة أو صاعقة لأحد في هذه البلاد، فهي مُعادة ومُكررة.
من هذه الوقائع أن 273 من أعضاء مجلس النواب لم يُفصحوا عن ذممهم المالية لهذا العام حتى الآن. وكان التقرير السنوي للهيئة الخاص بالعام 2016 ، قد أوضح أن 216 من هؤلاء الاعضاء لم يفصحوا عن ذممهم، فيما القانون المشرّع من مجلس النواب ذاته يُلزم النواب والوزراء وسواهم من موظفي الدرجات العليا والخاصة في الدولة بالإفصاح عن ذممهم قبل نهاية شهر كانون الثاني من كل عام. رئاسة مجلس النواب التي كانت متحمّسة لتمرير قانون الانتخابات السيّئ، لم تفعل هذا العام ولا العام الماضي، شيئاً على صعيد الإجراءات اللازمة لإرغام أو إقناع أعضاء المجلس على الإفصاح عن ذممهم، مثلما هي لا تفعل شيئاً في حق المتغيّبين طويلاً عن جلسات المجلس في تعدٍّ صارخ على النظام الداخلي للمجلس وعلى أحكام الدستور (الفاسدون يعملون بقاعدة: شيّلني وأشيّلك).
الأعضاء الـ 115 الذين اختاروا أن يصوّتوا لصالح قانون انتخابات المحافظات، متحدّين الإرادة الشعبية الرافضة للقانون بصيغته المُمرّرة ( تظاهرات الجمعة الماضية التي شارك فيها عشرات الآلاف في بغداد والمحافظات الأخرى والحملات القوية عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي) .. هؤلاء النواب لابدّ أنهم جميعاً أو أغلبتهم الساحقة بين الـ 273 الذين لم يُفصحوا عن ذممهم المالية هذا العام والـ 216 الذين فعلوا الشيء نفسه العام الماضي.
لماذا يُعاند هؤلاء النواب في عدم الوفاء بالتزامهم القانوني والأخلاقي؟ .. لا سبب مُرجّحاً ولا مسوغ مُحتملاً غير أنهم يخشون انكشاف أمر فسادهم.
النواب الـ 115 الذي مرّروا قانون الانتخابات يمثّلون القوى الكبيرة المتحكّمة بالدولة، التحالف الوطني، وبخاصة دولة القانون، والتحالف الكردستاني وتحالف القوى. وقائع الفساد التي تكشف عنها هيئة النزاهة في تقاريرها الدورية تتعلق بوزراء ومدراء ونواب من هذه القوى بالذات .. لهذا السبب يصوّت نواب هذه القوى لصالح قانون انتخابات يستند إلى صيغة (سانت ليغو 1.7) تؤدي إلى مصادرة أصوات الناخبين ومنحها إلى مرشحين لا ينتخبونهم من هذه القوى ذاتها.
شكراً هيئة النزاهة، فلقد أفصحتم علناً عن سرّ لم يكن خافياً علينا في الواقع.

نشر في اراء
الأربعاء, 09 آب/أغسطس 2017 10:45

ما أخبار التحقيق بسقوط الموصل؟

علي علي
بعد أن تعود العراقيون طيلة حكم نظام البعث، على الأحكام الظالمة والاستبداد بالقرار الخاطئ، والبطش في تنفيذه بقسوة وغلظة ودموية، حل على العراقيين حكم ديمقراطي بسياسة فدرالية تعددية، وقطعا تحت تغيير كهذا تتبدل أمور البلد بمفاصله جميعها بشكل جذري، وتنقلب معاناة الشعب الى رخاء، وقلقه الى طمأنينة، وتدهور أوضاعه الى ازدهار ورقي كباقي الأمم. لكن، أتت الرياح بما لاتشتهي السفن. فقد تقهقر الحال الى مستوى لايحسد عليه مخلوق على وجه المعمورة، وآل مسير العراقيين الى موضع لايتقدم الأمم ولايتوسطها، وبالإمكان تشبيه مسيرتهم اليوم ببيت الدارمي القائل:
ناگة وعگرها البين واعمى بصرها
تمشي بتوالي النوگ وآنه بأثرها
وما أحداث العاشر من حزيران عام 2014 إلا أكبر دليل على الانكسار وتردي الأوضاع الإدارية والسياسية والاستخبارية والعسكرية. اليوم وبعد أن أوشكت الموصل على الشفاء التام من دائها العضال، ذاك الداء الذي تسبب به نفر من الخونة وبائعي الضمير والشرف وأشياء أخرى، بمخطط مدروس بأجندات داخلية وخارجية، وبعد مطالبات العراقيين الحثيثة بمحاسبة المقصرين في وقوع الأحداث المخزية -وهم كثر- صار لسان حال اللجان التحقيقية المسؤولة عن هذا يطول تارة ويقصر ثانية ويخرس ثالثة..! أما الاستدعاءات والاستضافات فهي الأخرى تعددت بأشكال وأسباب وأوقات، أوحت بما لايقبل الشك، بأن القائم بها يبتغي الإبطاء في إتمامها، ليضمن تأجيل استحصال النتائج الى حين، وهذا الحين قد يطول وقد يقصر وقد يميّع او يموّه تحت ذرائع عديدة، وهذا ماحدث بفعل فاعلين لافاعل واحد، وهدفهم جميعا طي عار ماحصل في الموصل طي النسيان.
وليس بجديد على لجان التحقيق -كما عودتنا اللجان السابقة- الإتيان بالأعذار والمبررات والمسوغات والمطيبات والحلويات بأصنافها، وقطعا سيكون هذا كله تحت رعاية السياسيين في الرئاسات الثلاث وبمباركة رؤسائها حتما، كذلك بتأييد أرباب الكتل. ومن باب الأحوط وجوبا لن يبخل علينا ساستنا -حاشاهم من البخل طبعا- وقادة الأحزاب والوزراء والمسؤولون، بتوفير البدائل التي تضمن انشغال العراقيين بها ليل نهار، صباح مساء، قياما قعودا وعلى جنوبهم، خشية مساءلتهم عن نتائج التحقيق الشافية والشفافة. من هذه البدائل مسلسلات تفوق بحبكتها وتأليفها مسلسل وادي الذئاب وضياع في حفر الباطن، وحتى الحاج متولي. إذ من المؤكد -كما هو حاصل دائما- أن يظهر لنا بين الحين والآخر، وجه عليه ملامح الـ (نغنغه) لانراه إلاعلى كرسي عاجي، تارة تحت قبة، وتارة على طاولة فخمة، وأخرى خلف مكتب خلفه علم وخلف العلم الله يعلم..! وأحيانا في استوديو يطل علينا في لقاء صحفي هام جدا، كانت قد مجدت فيه وكالات كثيرة على شاشات التلفاز، وقد يطل علينا غدا على شاشات المذياع او الثلاجة او الغسالة او الــ (أوتي) بوعيد وتهديد حار بامتلاكه قرصا مدمجا او مضغوطا (C.D) او(D.V.D) يحوي وثائق وأدلة دامغة وبالجرم المشهود وعين اليقين وعلم اليقين وحق اليقين، بالصوت والصورة والرائحة والطعم، وجميع الحواس المحسوسة والملموسة والمدسوسة، وبالاسم الصريح والتوقيع الحي والختم الحراري وبصمات الأصابع وبصمات القزحية، وبتصوير ثلاثي الأبعاد (3D) بالكاميرا الخفية ذات الـ (FISH EYE). يضاف الى هذا شهود آخرون كثيرون، وحسبنا بالشهود رجلان، او رجل وامرأتان. وبعد الأخذ والأخذ، ثم الأخذ والأخذ (حيث لاعطاء لدى القائمين بالتحقيق)..! تأتي النتائج ليطلع عليها المواطن المترقب والمنتظر على أحر من الجمر من يأخذ بحقه.
فهل ستأتي لجنة تحقيقنا بسقوط الموصل بمتهم ومدان ومتورط ومتلبس بدقة وحيادية حقيقيتين لينالوا جزاءهم العادل؟ أم ستكون النتائج مشابهة لنتائج التحقيق في جريمة القتل التي قام بها المقبور عدي ابن المقبور صدام، والتي كان المجنى عليه فيها "كامل حنا" المرافق الخاص للمقبور الثاني..! وهل نشهد في قادم الأيام مقبورين جددا بما يثبت عليهم من جرم وإدانة في مأساة الموصل، دون تستر ومحاباة وتنازلات ومقايضات؟

نشر في اراء
الأربعاء, 09 آب/أغسطس 2017 10:25

علي الاديب يحلل.. فيتحلل

سهيل سامي نادر

إذا ما تسنّى لكم الاستماع إلى محاضرة القيادي في حزب الدعوة علي الأديب التي ألقاها في معهد التقدم والسياسات الانمائية ، ستجدون أنفسكم تلتقون معه في برنامجه العام للخروج من الأزمة الحالية. وإذا ما عطلتم ذاكرتكم، وحذفتم منها التفاصيل الشيطانية، فستجدون أن مفكر حزب الدعوة هذا يقدم برنامجا يتجاوز الشعارات التي رفعها الحراك الجماهيري الاخير في المدن العراقية.
في الأزمة الحالية يبدو هذا السلوك جزءاً من الأزمة نفسها: التنصل، اتهام الآخرين، وركوب موجة الاحتجاج، التقدم أمامها، والالتفاف حولها.
هاكم ما يقول: "الحل لأزمة العراق قبل اتجاهها الى منعطف مجهول هو العمل على اعادة كتابة الدستور والاعتماد على الكفاءات ونبذ الطائفية ومحاربة الفساد المالي والاداري والبدء بالاصلاحات السياسية والاقتصادية وفي تقديم الخدمات وايقاف الرواتب والمخصصات والحمايات المكثفة للرئاسات والوزراء والنواب وذوي الدرجات الخاصة، وإناطة المهام الى ذوي الاختصاص من الكفاءات والاكاديميين من دون النظر الى المكون او الحزب".
هذا بالضبط ما كان هدف آلاف الكتابات النقدية في الصحافة الديمقراطية. فلماذا الآن؟
حتى لو كانت هناك موانع بعدم طرح هذا البرنامج في البرلمان او الحكومة لأي سبب، فقد كان بإمكان حزب الدعوة أن يطرحه بقوة في الشارع، كمشروع عمل ونضال، لو اعتمد مبدأ الشفافية والعلنية والتزام الصدق. فلماذا الآن، بعد أن أمسكت الحرائق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بأذيال العراق؟
لا يسعنا إلا أن نعتقد أن الاديب يقوم بعملية خداع. لنذكّره بالحراك الجماهيري لعام 2011 حين استخدمت السلطة بأمر من المالكي العنف ضد الجماهير التي رفعت مطالب أقل بكثير من هذه التي يصوغها حاليا.
يصوغ الأديب برنامج الخروج من الأزمة بعد أن باتت الأزمة مستعصية، نظرا لهبوط أسعار النفط وإفلاس مؤسسات الدولة بسبب الفساد والنهب. لعله اعتقد أن حالة الانسداد السياسي التي شخصها، وهي كذلك حقا، تبيح له أن يشعر أنه وحزبه غير مسؤولين عنها. والآن لا حظوا كيف أن مَن يصوغ برنامجا غير صادق تفضحه التفاصيل والتحليلات المضللة. يقول "الأحزاب والكتل السياسية عام2003 لم تكن تمتلك رؤية واضحة لموضوعة الدستور والديمقراطية، لذا اعتمدت الديمقراطية التوافقية في تشكيل الحكومة ومؤسسات الدولة التي مهدت لثغرات كبيرة أهدرت على اثرها أموال العراق".
ما علاقة عدم امتلاك رؤية واضحة لموضوعة الدستور والديمقراطية بالديمقراطية التوافقية؟ وكيف نفهم أن تهدر الديمقراطية التوافقية أموال العراق وليس النظام السياسي وأخلاقية القائمين عليه؟ لا يقول الاديب إن الديمقراطية التوافقية كانت بمثابة حل جاء بعد انسداد الافق في الشروط البائسة التي كتب فيها الدستور والنظام الانتخابي ، وقيام اول انتخابات عام 2005. إنه لا يريد أن يتذكر أن هذا الحلّ كان تأسيسيا، وأنه خضع لقراءة حزب الدعوة القائد، وهو من استفاد منه أكثر من غيره، ولم يسع الى تغييره حقا. نشير إلى أن المالكي أراد حكومة أكثرية بالكلام والتصريحات، وبالعمل شكّل أكبر حكومة في تاريخ العراق بروح "توافقية"، لكنها كانت متدنية على مستوى الكفاءة المهنية والانسجام السياسي، وأثناء ذلك راح يفكك أسس التوافق السياسي في المجتمع والدولة.
إن طريقة حزب الدعوة في فهم "التوافق" تتلخص بتحويل مبدأ المشاركة في السلطة إلى رشوة وتفريغ الشارع من أي عمل وطني مشترك.
لنسترجع بعض الاحداث، فالجماعة السنية التي اشترطت لدخول العملية السياسية تعديل الدستور، سرعان ما ابتلعت هذا الشرط ولم تناضل من أجل تحقيقه، وبدلا من ذلك اشتركت بوليمة النهب المنظم، تماما كحزب الدعوة. إن الحزب الاسلامي العراقي، القريب من أفكار حزب الدعوة، ضرب المثل على انتهازيته السياسية، لكنه بالتأكيد لم يصل إلى مستوى حزب الدعوة، لأن الاخير كان يقود السلطة، وكان هو الذي يمسك بخيوط اللعبة السياسية، ويوزع الأسلاب على الآخرين. إن انحطاط الحل التوافقي إلى مستوى المكافأة، وما يعرف بالمحاصصة، سببه سياسي طائفي، فهو مجرد تعبير عن نظام سياسي أعد لتمثيل الطوائف. إنه تعبير عن إرادة سياسية وليس مجرد مشروع تجريبي فاشل. ولقد فشل حقا بسبب اقترانه بتعطيل بناء الدولة الديمقراطية ، وتعطيل القانون، واحتقار الحداثة، واعتماد الطوائف المسيّسة التي لا يجمعها مشروع وطني واحد. لنسترجع تفاصيل أخرى، فبعد أن فازت القائمة العراقية بفارق ضئيل، عمل المالكي المستحيل لكي يقوم هو بتشكيل الحكومة، وقد شكلها واسعة و"توافقية" استجابة للضرورة، وكافأ من خلالها كل من ساعده على إنهاء تلك الأزمة لمصلحته. في هذا المعركة التي حسمها عناده ونرجسيته واعتماده على ايران وامريكا والكرد المتوهمين المستفيدين، أدرك المالكي خطر وجود قائمة كبيرة يقودها شيعي ليبرالي بميول قومية تضم التيارات السنية كلها تقريبا. من هنا عمد الى زرع الشقاق في صفوفها وشراء ذمم بعضهم، وتلفيق تهم لبعضهم، وتقاسم المغانم مع بعضهم. إن رضوخ حزب الدعوة للتوافقية لم يكن هدفه بناء مجتمع وطني صحي، بل تفسيخ القوى السياسية ، وإشراكها بالوليمة، وزرع أساليب انتهازية وانشقاقية بينها. إن واحدة من أكثر سلوكيات المالكي ضيقَ أفقٍ أنه دفع السنة إلى مهالك التطرف والتفاهة السياسية، وبدلا من مساعدتهم على تلمس تجربة وطنية عابرة للطوائف، يسهم فيها الجميع، وتتفكك في داخلها العصبويات الطائفية والجهوية والعشائرية، أرادهم تماما في بؤرة قاتلة، مفككين، يبحثون عن مخرج سياسي عند دول الجوار، لكي يؤلف الروايات السيئة عنهم.
والآن نحن نعرف ماذا حلّ بالسنة، فقد باتت مدنهم ومناطقهم مكانا للقتل، ومحاصرين بداعش والمليشيات وبسياسييهم المزعومين الكذابين، وبرجال دينهم الذين أفلتوا الزمام. فإذا لم يسع حزب الدعوة الى هذه النتيجة حقا، فإنه ساعد على تحقيقها بالتآمر ووضع العقبات واعتماده سياسة طائفية ضيقة الأفق.
الحقيقة أن المالكي أراد دائما جماعة سنية تقترب أفكارها من الحزب الاسلامي الشبيهة بأفكار حزب الدعوة، بعيدا عن الاتجاهات الليبرالية او العلمانية، فهو يبرر نفسه بهم كقائد حزب شيعي، كما هو الحزب الاسلامي الذي يبرر مشروعه السياسي الدعوي كحزب سني، بصرف النظر عن المبادئ الاسلامية العريضة في العدالة والمساواة. إن الطائفي يصنع طائفيا آخر، بل يحتاجه.
إن سلوك المالكي ليس غريبا عن سلوك شخصية محمد مرسي الاخواني، فالأخير بعد أن انتخبه الكثير من الليبراليين خلاصا من حكم العسكر، فرّ من سلوكه وغبائه جميع مستشاريه الليبراليين، لأنه ببساطة أعمى قلب وعقل، يفضل إسلامياً جاهلا على مهني خبير يعمل لمصلحة بلده. والمالكي الذي تحدث عن دولة القانون الشبيهة بدولة المواطنين الاحرار، حوّل القانون الى مطية حزبية. لا فرق، فهؤلاء الذين سيّسوا الدين أثبتوا أنهم بلا مبادئ ولا أخلاق، وأن عقولهم موجهة الى الماضي وليس الى المستقبل.
ثمة أفكار مثيرة نسمعها من علي الأديب، ترجع صدى المفاصل المتيبسة للنظام السياسي والكلام غير الصادق الذي يتغطى برداء وطني. فهو يحمل الولايات المتحدة الاميركية مسؤولية تثبيت نظام المحاصصة في العراق وبناء ديمقراطية هشة. وإذا كنت مثله أنتقد الولايات المتحدة لأسباب شرحتها في كتابات عديدة ،
فهو ليس مؤهلا لكي يميز بين ديمقراطية حقيقية وأخرى هشة، وهو نفسه من صرّح بأن حزب الدعوة يؤمن بالديمقراطية كآلية، أي أنها ليست نظاما ولا ثقافة ولا سلوكا، بل مجرد صندوق انتخابي – الصندوق الذي ذهب اليه العراقيون قبل أي اصلاح، وقبل أن توجد سلطة، لتتمخض عنه استيلاء مجموعات طائفية وأثنية جائعة للسلطة والمال.
ليست المحاصصة نتاج التوافق بل نتاج الفساد والمحسوبية، نتاج التواطؤ لا التوافق. أما هشاشة الديمقراطية العراقية فتكمن بنظام سياسي لا يعتمد على الكفاءة والقانون والعدل. إن هشاشة النظام السياسي غير مرتبطة بالديمقراطية، بل بالتأجيل المتعمد لبناء الدولة، وأكثر من هذا، بتفضيل الهشاشة بالذات، لأنها تيسّر للسياسيين سرقة المجتمع والدولة بحرية.
يشير الأديب الى مسؤولية أميركا في كتابة الدستور.. يقول إن "الدستور العراقي الحالي هو نسخة مطابقة لقانون ادارة الدولة العراقية الذي وضعه بريمر، الذي كانت فيه مجاملة واضحة للكرد لما قدموه من خدمات للقوات الاميركية حين احتلال العراق، وشدد على تسمية المكونات العراقية وضرورة وجود توازن فيما بينها عند تشكيل الحكومة والجيش والقوات الامنية". إننا نعرف، وهذا ما لاحظه الاديب في محاضرته، أن الدستور كتب بسرعة قياسية لا يقرها اي قانوني يحترم نفسه، والسيد المالكي كان عضوا فعالا في لجنة كتابته، مع الكثير من المستعجلين وملفلفي البرامج والسياسات من الكرد والسنة والهامشيين، وها هو الأديب لا ينتقد الدستور الا من جانب مجاملة بريمر للكرد، ولا يشير إلى ألغام هائلة نتجت عن كتابته بسرعة، وعدم مناقشته من قبل المواطنين. ويواصل الاديب نقده: "عملية حل الجيش العراقي والقوات الامنية، وبناء جيش جديد على أساس التطوع، عملية افرغت العراق من هيبته وجعلته هدفا لكل طامع وجردت السلطة القضائية من قوتها والحكومة من ادارة مؤسساتها وشجعت على بروز الميليشيات المسلحة التي ما زالت تتحكم بحلقات كبيرة في الدولة ونمت السلطة العشائرية وأعادت العراق الى عصر حكم القبيلة".
لا نستطيع الا أن نوافق.. لكن في أي مراجعة سياسية سنجد أن حزب الدعوة كان الشريك الأكثر فاعلية في هذه العملية. إن أول شخص سمح للمليشيات بالعمل هو المالكي، وهو نفسه من سلّح العشائر. إن 8 سنوات من حكمه تشكّل وحدها الماضي السياسي لكل المعاصي والمخالفات التي راح الأديب يكتشفها.

نشر في اراء