; ; مواضيع تم تصنيفها حسب التاريخ : الثلاثاء, 01 آب/أغسطس 2017
الثلاثاء, 01 آب/أغسطس 2017 13:00

ذكرياتي مع الصحافة الشيوعية في العراق

د. خليل عبد العزيز
لعبت الصحافة الشيوعية في العراق دوراً كبيراً في نشر الوعي الوطني والثقافة التقدمية، ورغم انها كانت سرية، لكن توزيعها كان واسعاً، وبمختلف الوسائل والأساليب لايصالها الى مختلف فئات وطبقات الشعب العراقي، ولاقت القبول الاستحسان والإقبال عليها من الأوساط التي كانت تصلهم، وكانت هذه الوسائل الإعلامية الشيوعية السرية تتميز بشكل واضح عن الصحافة العلنية من حيث تسليط الأضواء على الواقع السياسي العراقي والمشاكل التي تواجهها الأغلبية الساحقة من بنات وأبناء الشعب، وتقدم الحلول العملية للتصدي والتقليل من معاناة الجماهير، بعكس وسائل الاعلام الرسمية والتي كان همها الوحيد الاشادة بالنظام السياسي القائم، ومحاولة تلميع السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وكان الكذب والتلفيق وتزييف الوقائع والأحداث هو الصفة البارزة للأعلام الرسمي والأهلي، وذلك لخدع الأغلبية الساحقة من شغيلة العراق.
كانت هناك مصاعب ليست بالقليلة في تهيئة مستلزمات طبع صحيفة الحزب الشيوعي، ومن ضمنها الحصول على أجهزة الطباعة، وأتذكر اننا كنا ثلاثة رفاق نعيش في غرفة في أحد المناطق بالقرب من شارع الرشيد، وكان لكل واحد منا واجبات ومسؤوليات حزبية، وفجأة تلقينا قراراً حزبياً بأعفاء رفيق معين من مهامه الحزبية، بسبب تكليفه بعمل حزبي معين، لقد حاولنا ومن باب حب الاطلاع معرفة المهمة الجديدة لرفيقنا، ولكن كان يرفض، لكن فجأة سألنا قائلاً هل تريدون معرفة مهمتي الحزبية، أنني أخذ الأوراق البيضاء معي وأعود بأوراق سوداء...!!، وللتوضيح فأنه كان يذهب الى مطبعة الحزب السرية برزم الأوراق وبعد الطبع يقوم بتوزيعها على المنظمات الحزبية، والتي لم تكن عملية سهلة بسبب المراقبة الأمنية من قبل الأجهزة القمعية، ومع ذلك كانت الصحافة الشيوعية تصل الى أوساط واسعة.
لقد تم تكليفي بإيصال صحيفة الحزب "كفاح الشعب" الى أحد معلمينا في المدرسة وكنت على علاقة جيدة معه، وهو الشاعر شاذل طاقة، وعندما أعطيته الجريدة أخذها ووضعها بسرعة في جيبه قائلا: أعرف أنك شيوعي. في اليوم التالي طلب مني تزويده بكل عدد جديد يصدر من الصحيفة، وبالطبع قمت بتنفيذ ذلك.
ان المثقفين والمتعلمين كانوا يقبلون على قراءة صحافة الشيوعيين العراقيين، لأنها كانت في الحقيقة تعبرعن آرائهم ومشاعرهم ومواقفهم من نظام الحكم القائم، لذا استطاعت الصحافة الشيوعية خلق وتكوين رأي عام تقدمي في البلاد، وأنعكس ذلك في ظهور كتاب وأدباء ومثقفين لهم وزنهم في الحياة العامة، من هؤلاء عبد الملك نوري وصلاح خالص ومحمد مهدي الجواهري ومحمد صالح بحر العلوم والمثقف الكردي كوران وعبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب وعبد الجبار وهبي "أبو سعيد" وكاظم السماوي وعبد الرزاق الشيخ علي ومحمد ملا كريم ومظفر النواب وحسين مردان والمئات من الذين كان لهم دور في مسيرة الثقافة الوطنية العراقية، كان تأثير الصحافة الشيوعية كبيرا جدا، وظهرت صحف علنية كانت تدعو للفكر التقدمي وسيادة الديمقراطية والاهتمام بمشاكل العراق وتلبية مطالب الشغيلة وأعطاء المرأة حقوقها، ومن هذه الصحف، "صوت الاحرار" و "الرأي العام" وغيرها.

نشر في اراء

يرصد "بيت الاعلام العراقي" في تقريره الثلاثين محورا مهما لخطاب الكراهية في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وشبكة الانترنت عكف بيت الإعلام على تسميته بـ "قاموس الكراهية" يتناول مفردات ومصطلحات كراهية باتت متداولة على نحو خطير لتصبح جزءا من الثقافة الشعبية في تبادل الحوارات والنقاشات حول القضايا السياسية والأمنية والاجتماعية.

إن "قاموس الكراهية" يأتي ضمن سلسلة اهتمامات "بيت الإعلام العراقي" في رصد فحوى خطاب الكراهية في العراق باعتباره أحد المخاطر التي تهدد السلم والأمن المجتمعيين خلال السنوات العشرة الماضية، وشكّلت وسائل الإعلام للأسف عاملا مساهما في تنامي هذا الخطاب في ظل غياب منظومة قانونية ومواثيق مهنية تضع حدا لذلك.

وبعد إصدار "بيت الإعلام العراقي" تقريره الضخم الموسوم بـ "فرسان الكراهية" متضمنا رصدا لنحو 955 حلقة لبرامج حوارية مختلفة في 15 محطة فضائية محلية تبث من العراق وخارجه شهدت حوارات وتصريحات لـ 694 ضيفا توزعوا ما بين سياسيين وأعضاء في مجلس النواب والحكومة، يضاف لها سلسلة تقارير آنية رصدت حوادث عدة بينها "تقرير صحفي مفبرك يعمق خطاب الكراهية المتبادل في العراق"، و"اختطاف صحافية عراقية يكرس خطاب الكراهية ضد مهنة الإعلام"، يأتي التقرير الجديد ليركز على مفردات ومصطلحات باتت تمثل قاموسا لمتبني الخطاب العنفي سواء من الشخصيات العامة والشعبية.

ويؤكد "بيت الإعلام العراقي"، ابتداء أن التقرير أٌنجز بعدد محدود للغاية من الراصدين، قياساً لطبيعة وقواعد ومتطلبات الرصد الواسع لخطاب الكراهية، إذ استوجب مراجعات لمحتوى مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام وشبكة الإنترنت شملت آلاف المنشورات والتغريدات طيلة ثلاثة أشهر من أجل إحصاء وتوثيق أكبر قدر من عبارات الكراهية.

ويأخذ "بيت الإعلام العراقي" في الاعتبار أن مصطلح خطاب الكراهية ما زال ضمن المصطلحات الشائكة والمعقدة على المستوى العالمي لتداخله مع مفاهيم حرية الرأي والتعبير، ولهذا يركز تقرير "قاموس الكراهية" على العبارات والمصطلحات التي تتناول دعوات للقتل والعنف والانتقام والإقصاء والتحقير والتمييز والسب والشتم التي نجدها في صلب خطاب الكراهية بما ينتجه من ردود أفعال عنفية تؤدي إلى الفعل المادي العنفي المباشر.

ويشمل "قاموس الكراهية" عبارات ومصطلحات تم سلسلتها وفق الاحرف الابجدية ضد الطوائف والقوميات والمجموعات البشرية ذات طابع ديني وسياسي بدأت تتغلغل في اللغة الشعبية العراقية تطلق بقصد الكراهية والتهكم والتحقير ضد مجموعات اجتماعية ودينية وعرقية وقومية بالعموم، مستغلة غياب الرادع القانوني والذاتي، ويسجل بيت الإعلام في هذا الصدد بأن استمرار ذلك يشكل سابقة خطيرة تحول دون تحقيق السلم والأمن المجتمعي، كما أن معالجة ذلك يتطلب جهدا ووقتا كبيرين، والأهم الشروع في المعالجة بأسرع وقت، ويأمل بيت الإعلام في أن يكون هذا الرصد مناسبة للانطلاق في تحقيق ذلك.

ويأتي "قاموس الكراهية" كمشروع هو الأول من نوعه في العراق لرصد العبارات ومطلقيها انطلاقا من إيمان بيت الإعلام في أن نشر تقارير خطاب الكراهية تركز على التوثيق المهني للشخصيات العامة والشعبية وتقديمها إلى الجمهور من شأنه أن يكون رادعا وضابطا للخطاب المتطرف في بلد يفتقر إلى مؤسسات بحثية رصينة من جهة، ومن جهة ثانية شعور دعاة خطاب الكراهية بعدم وجود مراقب وموثق لمستوى خطابهم في وسائل الإعلام وانعكاساته على السلم والأمن والمجتمعيين.

إن أحد العوامل التي ساهمت في هذا الخطاب كانت وسائل الإعلام المحلية بتفرعاتها المرئي والمسموع والمقروء ولهذا فإن "بيت الإعلام العراقي" أخذ على عاتقه رصد المؤسسات الإعلامية في مهمة صعبة ومعقدة في ظل غياب مؤسسات ومشاريع مشابهة لهذا العمل المهم، فغالبية المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية المعنية بالصحافة والإعلام العاملة في العراق بعد 2003 ركزت على دعم المؤسسات الإعلامية والصحافيين معنويا دون توفير الدعم المهني في تعزيز الخبرات المطلوبة في العمل الصحافي وضمان عدم تجاوز أخلاقيات العمل الصحافي والحول دون استغلاله ليكون منبرا لخطاب كراهية.

ويدعو "بيت الاعلام العراقي" الجمهور للمساهمة في رفد القاموس بمصطلحات اخرى تقع تحت سياق وضوابط تقرير الرصد، اذ قرر العاملون في بيت الاعلام على جعل تقرير "قاموس الكراهية" قابل للتعديل والاضافة واشراك أكبر قدر من المختصين والنخب والعامة للخروج بقاموس هو الأول من نوعه يرصد عبارات الكراهية ليكون عنصرا مهما امام دراسات مستقبلية اوسع.

وتوصل الرصد إلى النتائج الآتية:

1. إن غالبية مصطلحات الكراهية محور الرصد تستمد جذورها من أحكام فقهية دينية متطرفة أو أحكام مجتزئة أو أحكام دينية مجهولة المصدر تكتسب قوتها وانتشارها إثر تبنيها من قبل شخصيات دينية وسياسية واجتماعية عامة أوصلتها إلى الرأي العام عبر منابر إعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي والانترنيت.

2. لاحظ راصدو بيت الإعلام أن هذه العبارات باتت تمثل قاموسا في نقاشات العامة على مواقع التواصل الاجتماعي، وغالبا ما تكون هذه النقاشات مطوله وتستمر لأيام على شكل حملات وحملات مضادة يشارك فيها مئات الأشخاص عبر مشاركة المنشورات ودعمها بهدف تسقيط الآخر.

3. إن غالبية عبارات الكراهية أنتجت للمرة الأولى على يد رجال دين متطرفين وسياسيين وشخصيات عامة من خلال برامج التوك شو في القنوات التلفزيونية المحلية والعربية يعقبها قيام أفراد ومجموعات بإعادة تدوير هذه العبارات عبر منشورات مكتوبة أو من خلال نشر مقاطع فيديو قصيرة تتضمن التصريح الذي تضمن إطلاق العبارة لتصل خلال أيام قليلة إلى مئات الألاف على مواقع التواصل الاجتماعي.

4. لوحظ أن منابر إعلامية ما زالت تستخدم هذه العبارات في الفضاء الإلكتروني والتلفزيوني دون وجود رادع.

5. سجل راصدو بيت الإعلام أن تزايد استخدام عبارات الكراهية غالبا ما يكون متزامنا مع أزمات سياسية وحوادث أمنية تعصف بالبلاد، ويستمر استخدام هذه العبارات لأسابيع الأمر الذي جعل هذه العبارات متداولة وشائعة لتصبح جزءا من اللغة والثقافة العامة.

6. لاحظ راصدو بيت الإعلام أن المنشورات التي تتضمن إحدى عبارات الكراهية غالبا ما تلاقي تفاعلا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي عبر مئات التفاعلات تتضمن الإعجاب بالمنشور وإعادة نشره على الصفحات الشخصية والتعليقات التي غالبا ما تكون ساحة للنقاش العنيف بين المتابعين، بينما لا تلاقي الدعوات إلى الخطاب المعتدل شعبية كبيرة.

التوصيات:

1. تفعيل مواد دستورية وقانونية سارية خاصة بالتحريض تشمل مرتكبيها من الأفراد والمؤسسات، وأبرزها المادة السابعة أولا من الدستور العراقي، التي تنص على، "يحظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له"، وأيضاً قانون العقوبات في مادته (٤٧) التي تنص، "أن من يقوم بدفع شخص ما على ارتكاب جريمة بمثابة الفاعل الأصلي ويعاقب بالعقوبة التي يعاقب بها مرتكب الجريمة بناء على دفع المحرض، ووفق ذلك يعد فاعلا للجريمة"، والعمل على سن تشريعات جديدة تتناغم مع التطورات الاجتماعية والتكنولوجية خصوصا تلك المتعلقة بالإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

2. على الادعاء العام العراقي التحرك سريعاً، ضمن الواجبات المناطة به، والواردة في قانون الادعاء العام، الذي أقره البرلمان في الثامن من تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، إذ تنص المادة الخامسة منه، على أن من مهام الادعاء العام: أولا "إقامة الدعوى بالحق العام وقضايا الفساد المالي والإداري ومتابعتها"، ثانياً "مراقبة التحريات عن الجرائم وجمع الأدلة التي تلزم للتحقيق فيها واتخاذ كل ما من شأنه التوصل الى كشف معالم الجريمة"، خصوصا أن منابر التحريض العنفي تتوارد بشكل علني، ولا تحتاج إلى تحقيقات طويلة للوصول إليها.

3. استكمالا للمنافذ القانونية، على المنظمات والمؤسسات غير الحكومية والجماعات المدنية الشروع برفع دعاوى قضائية لمقاضاة مرتكبي التحريض ودعاة خطاب الكراهية والعنف في وسائل الإعلام لدى محكمة النشر، وتشجيع الأفراد على القيام بخطوات مماثلة لخلق رأي عام رادع يحاسب منابر الكراهية.

4. إطلاق حملة واسعة للضغط على المؤسسات الإعلامية من أجل تنظيم "ميثاق ملزم"، بالتعاون مع لجان ذات صلة في مجلس النواب، ومؤسسات مدنية مهتمة، يحرّم نشر أو بث أي منتجات إعلامية تدعو إلى الكراهية أو تشجع على العنصرية في شتى أشكالها، كما ينص على احترام هوية الأقليات والجماعات الإثنية أو العرقية الصغيرة في الخطاب الإعلامي.

5. تبني منظمات المجتمع المدني والفعاليات المدنية تنظيم مؤتمرات وورش عمل معنية بتدريب الشباب حول قضايا تنمية ثقافة التسامح وقبول الآخر والمخاطر الكامنة وراء شيوع خطاب الكراهية وانعكاساته على السلم والأمن المجتمعيين، والتأكيد على ضرورة التمييز بين خطاب الكراهية والرأي.

6. العمل على مراجعة الخطاب الديني في العراق باعتباره أحد مصادر تكوين الثقافة المجتمعية، وتوعية رجال الدين بعدم الترويج إلى أفكار متطرفة بقصد أو بدون قصد عبر روايات تاريخية تأخذ أكبر من مدياتها في المجتمع ويتم اسقاطها على الحاضر وتكون مادة دسمة لنقاشات حادة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ أن جزءا كبيرا من مفردات قاموس الكراهية استمدت من نصوص وأحكام فقهية دينية.

7. السعي لتشكيل تحالف عربي وإقليمي لمكافحة خطاب الكراهية خصوصا وأن منابر الخطاب المتطرف تتجاوز الحدود الوطنية والكثير من مفردات الكراهية وما تفرزه من نقاشات حادة على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام يكون مصدرها رجال دين أو شخصيات عامة عربية وإقليمية تؤثر داخل العراق وبالعكس فإن منابر إعلامية ودينية محلية تمارس خطابا ضد جهات عربية وإقليمية تدفع نحو تأليب الرأي العام في شعوب عدة تفرز تصنيفات وانقسامات إلى مجموعات متصارعة طائفيا أو سياسيا او اجتماعيا.

 

لمعلومات اكثر حمل الملف ادناه 

 

نشر في أخبار